الخوف من الفقر… كيف يهدد النزاهة المالية؟
الخوف من الفقر… كيف يهدد النزاهة المالية؟
في عالم المال والأعمال، لا يكفي أن نضع أنظمة رقابة داخلية صارمة أو تعليمات قانونية دقيقة، إذا أهملنا أهم عنصر في المعادلة: الإنسان نفسه. فالخوف من الفقر هو من أقوى الدوافع التي قد تجرّ الأفراد نحو سلوكيات مالية غير أخلاقية.
كم من موظف برّر قبوله رشوة صغيرة بأنها "ضرورة"، وكم من تاجر تهاون في الجودة أو رفع الأسعار دون حق بدعوى "تجنب الخسارة". هذه الممارسات لا تنشأ من فراغ، بل غالبًا من هاجس داخلي يقول: "إذا لم أفعل، سينتهي بي الحال إلى العوز". وهكذا يتحوّل شبح الفقر إلى أداة ضغط نفسي تدفع البعض نحو مسارات مدمِّرة لأنفسهم ولمجتمعهم.
الإسلام تعامل مع هذه المعضلة منذ قرون، فأسّس نظام الزكاة ليس باعتباره إحسانًا اختياريًا، بل واجبًا اقتصاديًا وقانونيًا على القادرين. الزكاة صُمّمت كشبكة أمان تُغطي الفقراء والمساكين، وتدعم الغارمين (المثقلين بالديون)، وتعين المسافرين الذين تقطعت بهم السبل، بل وتضمن استمرار المنظومة نفسها عبر تمويل القائمين عليها. بهذا التصور، لم يعد الفقر مشكلة فردية، بل مسؤولية جماعية، يشارك في حلّها المجتمع بأكمله.
من منظور مهني، مكافحة الفقر ليست مجرد التزام أخلاقي أو ديني، بل هي وسيلة لحماية الأسواق من الانحرافات. فالموظف الذي يشعر بالأمان المالي أقل عرضة لقبول الرشوة، والمستثمر المطمئن لمستقبله لا يحتاج إلى التلاعب بالبيانات أو الاحتيال على المساهمين. حتى على مستوى الاقتصاد الكلي، مجتمعات يقل فيها الفقر تكون أكثر استقرارًا، وأكثر جذبًا للاستثمارات، وأقدر على بناء بيئة عمل نظيفة.
وقد جاء في الأثر أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الفقر كما يستعيذ من الذلة، في إشارة واضحة إلى أن الفقر ليس فضيلة، بل تهديد للكرامة الإنسانية. ومن هنا ندرك أن توفير الحد الأدنى من الأمان المالي لكل فرد ليس رفاهية، بل هو شرط لصون النزاهة.
إن بناء اقتصاد متوازن يعني أيضًا بناء مجتمع محصّن من الإغراءات غير المشروعة. فكلما ضاقت مساحة الخوف من الفقر، اتسعت مساحة الثقة والشفافية. وهذا بالضبط ما تحتاجه بيئة المال والأعمال اليوم: توازن اقتصادي يضمن النزاهة، وعدالة اجتماعية تردع الانحراف.